الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
88
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أحدا تأديبا له فوجب إمساك غيرهم من التحزب لهم بعدهم فإنه وإن ساغ ذلك لآحادهم لتكافئ درجاتهم أو تقاربها . والظنّ بهم زوال الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث ، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير ، وإنما هي مسحة من حمية الجاهلية نخرت عضد الأمة المحمدية . [ 11 ] [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 11 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 11 ) أعقب ذكر ما حلّ ببني النضير وما اتصل به من بيان أسبابه ، ثم بيان مصارف فيئهم وفيء ما يفتح من القرى بعد ذلك ، بذكر أحوال المنافقين مع بني النضير وتغريرهم بالوعود الكاذبة ليعلم المسلمون أن النفاق سجية في أولئك لا يتخلون عنه ولو في جانب قوم هم الذين يودّون أن يظهروا على المسلمين . والجملة استئناف ابتدائي والاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المنافقين فبني على نفي العلم بحالهم كناية عن التحريض على إيقاع هذا العلم كأنه يقول : تأمّل الذين نافقوا في حال مقالتهم لإخوانهم ولا تترك النظر في ذلك فإنه حال عجيب ، وقد تقدم تفصيل معنى : أَ لَمْ تَرَ إلى كذا عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ في سورة البقرة [ 243 ] . وجملة يَقُولُونَ في موضع المفعول الثاني . والتقدير : ألم ترهم قائلين . وجيء بالفعل المضارع لقصد تكرر ذلك منهم ، أي يقولون ذلك مؤكّدينه ومكرّرينه لا على سبيل البداء أو الخاطر المعدول عنه . و الَّذِينَ نافَقُوا المخبر عنهم هنا هم فريق من بني عوف من الخزرج من المنافقين سمي منهم عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ، وعبد اللّه بن نبتل ، ورفاعة بن زيد ، ورافعة بن تابوت ، وأوس بن قيظي ، ووديعة بن أبي قوتل ، أو ابن قوقل ، وسويد ( لم ينسب ) وداعس ( لم ينسب ) ، بعثوا إلى بني النضير حين حاصر جيش المسلمين بني النضير يقولون لهم : اثبتوا في معاقلكم فإنّا معكم . والمراد بإخوانهم بنو النضير وإنما وصفهم بالإخوة لهم لأنهم كانوا متّحدين في الكفر برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وليست هذه أخوة النسب فإن بني النضير من اليهود ، والمنافقين